يُعدّ “مصطفى كاتب” (8 جويلية 1920 – 28 أكتوبر 1989) أحد الرواد الذين أسهموا بعمق في بلورة هوية المسرح الجزائري، وجعلوا منه منبرًا لنقل ثقافة وفكر الأمة الجزائرية خلال مختلف المراحل التاريخية. تميّزت أعماله بالإبداع والتجديد والبحث المستمر؛ حيث لم يكن المسرح بالنسبة له مجرد وسيلة ترفيه، بل أداة للتغيير الثقافي والاجتماعي والسياسي، وحافظ على التزامه بقضايا الشعب وهمومه، مستخدمًا المسرح كجسر يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل…
لقد غاص الراحل مصطفى كاتب في إبراز خصوصيات المسرح الجزائري، واشتغل على مدار أزيد من ستة عقود تأسيسًا وإثراءً على صعد الكتابة والاقتباس والتمثيل والإخراج والتكوين والتسيير والتنشيط الثقافي.
وكان لمصطفى كاتب “المستشرف البيداغوجي” شرف تكوين “الفرقة الفنية لجبهة التحرير الوطني” وإدارة “المسرح الوطني الجزائري”، إلى جانب تأسيسه “المعهد الوطني للفنون الدرامية والكوريغرافية”، ووضعه اللبنة الأولى للمسرح الجامعي وتأسيسه مهرجان القصّة القصيرة والشعر… بل إن رحلته الإبداعية لم تنته عند هذه المحطات، فقد تولى مهمّة تنشيط الحياة الثقافية في مدينة الجزائر، حيث أسهم في بعث المعهد البلدي للموسيقى والمسرح، إضافة إلى خمسة مركّبات ثقافية في كل من: حسين داي، القبة، حيدرة، الأبيار، ووادي قريش. كما نظّم الملتقى الدولي “العالم الثالث في مواجهة التحديات التكنولوجية المعاصرة”، فضلاً عن بصماته الواضحة في تفعيل المنظومة الثقافية عبر إطلاقه مجلتي “الحلقة” و”الثورة والثقافة” اللتين تخصّصتا في المسرح والفكر.
وفي ذلك، كان مصطفى كاتب يولي أهمية بالغة لخلق الفضاء الأمثل لاستقرار الفكر المسرحي الجزائري على درب التطوير والتحديث، في مقاربة تهدف إلى استخراج زوايا وطرائق ثقافية لترسيخ أنساق المسرح الجزائري. فلا يسعنا إلاَّ أن نستذكر إرث مصطفى كاتب الذي أثّر في أجيال من الفنانين والمثقفين، مؤكدًا أن المسرح ليس مجرد خشبة وأضواء، بل رسالة وصرخة حياة تُجسّد آمال المجتمع وتطلعاته.
إن تجربته تبقى نموذجًا يُحتذى به، ودعوة للمبدعين اليوم إلى الاستمرار في مسيرة تطوير المسرح الجزائري وحمله إلى آفاق أرحب، ليمثل صوت الشعب وثقافته عبر الأزمان…
س.ب
موقع ثقافيات موقع ثقافيات